أبي حيان الأندلسي

115

تفسير البحر المحيط

وقال الزمخشري : حسبنا قلبه غافلين من أغفلته إذا وجدته غافلاً انتهى . * ( وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) * في طلب الشهوات * ( وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ) * . قال قتادة ومجاهد : ضياعاً . وقال مقاتل بن حيان : سرفاً . وقال الفرّاء : متروكاً . وقال الأخفش : مجاوزاً للحد . قيل : وهو قول عتبة إن أسلمنا أسلم الناس . وقال ابن بحر : الفرط العاجل السريع ، كما قال * ( وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً ) * . وقيل : ندماً . وقيل : باطلاً . وقال ابن زيد : مخالفاً للحق . وقال ابن عطية : الفرط يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع ، أي أمره الذي يجب أن يلزم ، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف أي * ( أَمَرَهُ ) * و * ( هَوَاهُ ) * الذي هو بسبيله انتهى . و * ( الْحَقّ ) * يجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف ، فقدره ابن عطية هذا * ( الْحَقّ ) * أي هذا القرآن أو هذا الإعراض عنكم وترك الطاعة لكم وصبر النفس مع المؤمنين . وقال الزمخشري : * ( الْحَقّ ) * خبر مبتدأ محذوف والمعنى جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلاّ اختياركم لأنفسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك ، وجئ بلفظ الأمر والتخيير لأنه لما مكن من اختيار أيهما شاء فكأنه مخير مأمور بأن يتخير ما شاء من النجدين انتهى . وهو على طريق المعتزلة ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره * ( مّن رَّبّكُمْ ) * . قال الضحاك : هو التوحيد . وقال مقاتل : هو القرآن . وقال مكي : أي الهدى والتوفيق والخذلان من عند الله يهدي من يشاء فيوفقه فيؤمن ، ويضل من يشاء فيخذله فيكفر ليس إليّ من ذلك شيء . وقال الكرماني : أي الإسلام والقرآن ، وهذا الذي لفظه لفظ الأمر معناه التهديد والوعيد ولذلك عقبه بقوله : * ( إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ) * قال معناه ابن عباس . وقال السدّي : هو منسوخ بقوله * ( وَمَا * تَشَاءونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ ) * وهذا قول ضعيف ، والظاهر أن الفاعل بشاء عائد على * ( مِنْ ) * . وعن ابن عباس من شاء الله له بالإيمان آمن ، ومن لا فلا انتهى . وحكي ابن عطية عن فرقة أن الضمير في * ( شَاء ) * عائد على الله تعالى ، وكأنه لما كان الإيمان والكفر تابعين لمشيئة الله جاء بصيغة الأمر حتى كأنه تحتم وقوعه مأمور به مطلوب منه . وقرأ أبو السمال قعنب وقلَ الحق بفتح اللام حيث وقع . قال أبو حاتم : وذلك رديء في العربية انتهى . وعنه أيضاً ضم اللام حيث وقع كأنه اتباع لحركة القاف . وقرأ أيضاً * ( الْحَقّ ) * بالنصب . قال صاحب اللوامح : هو على صفة المصدر المقدر لأن الفعل يدل على مصدره وإن لم يذكر فينصبه معرفة كنصبه إياه نكرة ، وتقديره * ( وَقُلْ ) * القول * ( الْحَقّ ) * وتعلق * ( مِنْ ) * بمضمر على ذلك مثل هو إرجاء والله أعلم . وقرأ الحسن وعيسى الثقفي بكسر لامي الأمر . ولما تقدم الإيمان والكفر أعقب بما أعد لهما فذكر ما أعد للكافرين يلي قوله * ( فَلْيَكْفُرْ ) * وأتى بعد ذلك بما أعد للمؤمنين ، ولما كان الكلام مع الكفار وفي سياق ما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ) كانت البداءة بما أعد لهم أهم وآكد ، وهما طريقان للعرب هذه الطريق والأخرى أنه يجعل الأول في التقسيم للأول في الذكر ، والثاني للثاني . والسرادق قال ابن عباس : حائط من نار محيط بهم . وحكي أقضى القضاة الماوردي أنه البحر المحيط بالدنيا . وحكي الكلبي : أنه عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار . وقيل : دخان * ( وَإِن يَسْتَغِيثُواْ ) * يطلبوا الغوث مما حل بهم من النار وشدة إحراقها واشتداد عطشهم * ( يُغَاثُواْ ) * على سبيل المقابلة وإلاّ فليست إغاثة . وروي في الحديث أنه عكر الزيت إذا قرب منه سقطت فروة وجهه فيه . وقال ابن عباس : ماء غليظ مثل دردي الزيت . وعن مجاهد أنه القيح والدم الأسود . وعن ابن جبير : كل شيء ذائب قد انتهى حرّه . وذكر ابن الأنباري أنه الصديد . وعن الحسن أنه الرماد الذي ينفط إذا خرج من التنور . وقيل : ضرب من القطران . و * ( يَشْوِى ) * في موضع الصفة لماء أو في موضع الحال منه لأنه قد وصف فحسن مجيء الحال منه ، وإنما اختص * ( الْوجُوهَ ) * لكونها عند شربهم يقرب حرّها من وجوههم . وقيل : عبر